← Back Published on

بين الجنة والجحيم

"الجنة بلا ناس لا تداس" هل هذا القول صحيح أم أنه مجرد وجهة نظر تقتصر على شخصية الإنسان؟ فالأقوال تتفاوت من شخص لآخر، فللفيلسوف الفرنسي، جان بول سارتر رأي آخر، إذ يقول "الآخرون هم الجحيم". فما هي إذاً الجنة وما هو الجحيم؟

يعود هذا الإختلاف إلى آراى الناس التي نشبت من خلال انخلاطهم ببعضهم البعض والإنطباعات التي كونوها عن بعضهم. فعندما ننخلط مع من حولنا ونتعرف عليهم، ينشب بداخلنا شعور يأكد لنا إن كنا نرغب بالاستمرار معهم أم لا. فالبعض من الوهلة الأولى واللقاء الأول ممكن أن يميزوهم، فإما يشعروا بالراحة أو بالانزعاج.

ويرجع هذا السبب إلى وجود طاقة كامنة داخل كل شخص. تكون إما سلبية أو إيجابية فنتأثربها ونأثر بمن هم حولنا. الطاقة الكامنة بداخلنا تلعب دوراً مهماً بتحديد خيراتنا وتصرفاتنا ونفسياتنا، وهي التي تحدد معنى الجنة والجحيم بنسبة لكل شخص. فنحن بواقعنا محاطون بالآخرين ومن الصعب أن نعيش بمعزل عنهم، فأنت لست الوحيد على هذه الأرض، فهنالك نحن. ولكن إن استطعت العيش بعزلة عنا فسيكون بسبب الطاقة السلبية التي تستمدها منا.

وفكرة الطاقة الكامنة بداخلنا علم بحد ذاته، مبني على الطاقات التي نستمدها من بعضنا البعض ومن محيطنا بشكلٍ عام. فالطاقة السلبية نستمدها عندما نكون بين مجموعة من الناس التي تؤثر سلباً علينا، بسبب نظرتهم السلبية للحياة وتشاؤمهم الدائم. فتتعبنا جلستهم وتشعرنا بالكآبة وسلبية الحياة بسبب أحاديثهم وآرائهم ونفسياتهم.

وبالمقابل هنالك من يمدنا بطاقة إيجابية، فنظرتهم الإيجابية وتفاؤلهم بالحياة يشعرنا دوماً بالسعادة وحلاوة الدنيا، فننسى همومنا وتعبنا وتشاؤمنا ونتفاءل وننظر بإيجابية لما هو حولنا.

ولكن هذا كله، أيضاً يعود للإنسان نفسه ومدى تأثره بمن حوله، لذلك إذا كان سلبياً فسيختار العزلة، وإذا كان إيجابياً فسيحاول التواصل مع من هم مثله، ليرتاح معهم ويستمد منهم القوة والتفاؤل.

فاختلاف الناس وطاقاتهم يجعل الآخر يختار العزلة أو الإختلاط دون التمييز بين الناس السلبيين والناس الإيجابيين فيبتعد عن الجميع ويدخل بالوحدة شيئاً فشيئاً، ويسعد بها بمجرد إحساسه بالراحة. ومنهم من يختار الإختلاط بعد أن ميز السلبي من الإيجابي واختار الإيجابية والإيجابيين ليستمد منهم القوة والفرح والتفاؤل فيسعد بالاختلاط.

لذلك اختلفت الآراء ووجهات النظر حول هذا الموضوع ولكن المبدأ واحد. فبالنسبة لي "الجنة بلا ناس لا تنداس"، لكن بحدود. فالاختلاط الزائد من الممكن أن يتحول إلى جحيم. وللأسف، توفر مواقع التواصل الاجتماعي زادت من انفتاحنا على الآخرين. فأصبحنا نشعر بأننا مراقبون من قبل الآخرين الذين ينتظرون معرفة أخبارنا، ماذا فعالنا وأين ذهبنا...

والشعور أن الآخرين يراقبون تصرفاتك بحد ذاته جحيم، فهم بذلك يكبتون حريتنا ويتدخلون بأمورٍ شخصية لا تعنيهم. وعند هذه المرحلة يصدق قول سارتر بأن "الآخرون هم الجحيم"، فتصبح العزلة أرحم من البشر.

وبالنهاية، الاعتدال هو خير الأمور، وكلٌ منا يبني حياته ويسعد نفسه حسب شخصيته ونظرته للحياة. وبذلك نكون قد وصلنا عند مفترق طرق لافتاته غير واضحة، أين هي الجنة وأين هو الجحيم؟